صديق الحسيني القنوجي البخاري
237
فتح البيان في مقاصد القرآن
وما شاء اللّه من ذلك ، وعنه قال : خمسمائة سنة وستون سنة ، وعن الكلبي خمسمائة سنة وأربعون سنة ، وقال ابن جريج كانت خمسمائة سنة ، وقال الضحاك : وكانت أربعمائة سنة ونصفا وثلاثين سنة . وعن ابن عباس قال : كان بين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة سنة ، ولم تكن بينهما فترة فإنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم ، وكان بين ميلاد عيسى ومحمد صلى اللّه عليه وسلم خمسمائة سنة وتسع وستون سنة ، بعث في أولها ثلاثة أنبياء كما قال تعالى : إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ [ يس : 14 ] والذي عزز به شمعون وكان من الحواريين وكانت الفترة التي لم يبعث اللّه فيها رسولا أربعمائة وثلاثين سنة ، وقد قيل غير ما ذكرناه . قال الرازي : والفائدة في بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم عند فترة الرسل هي أن التحريف والتغيير قد كان تطرق إلى الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها وطول أزمانها ، وسبب ذلك اختلاط الحق بالباطل والكذب بالصدق ، فصار ذلك عذرا ظاهرا في إعراض الخلق عن العبادات لأن لهم أن يقولوا يا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادتك ولكننا ما عرفنا كيف نعبدك فبعث اللّه في هذا الوقت محمدا صلى اللّه عليه وسلم لإزالة هذا العذر ، فذلك قوله تعالى : أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ تعليل لمجيء الرسول بالبيان على حين فترة أي كراهة أن تقولوا هذا القول معتذرين عن تفريطكم ، ومن زائدة للمبالغة في نفي المجيء ، والفاء في قوله : فَقَدْ جاءَكُمْ هي الفصيحة بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم لإزالة هذا العذر وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ومن جملة مقدوراته إرسال رسوله على فترة من الرسل . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 20 ] وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ( 20 ) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما فعلت بنو إسرائيل بعد أخذ الميثاق ، وإذ نصب على أنه مفعول لفعل مقدر خوطب به النبي صلى اللّه عليه وسلم بطريق تلوين الخطاب ، وصرفه عن أهل الكتاب ليعدد عليهم ما صدر عن بعضهم من الجنايات ، أي واذكر لهم وقت قول موسى لقومه ناصحا لهم ومستميلا لهم بإضافتهم إليه . يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وقرأ ابن كثير يا قوم بضم الميم ، وكذا قرأ فيما أشبهه ، تقديره يا أيها القوم اذكروا نعمة اللّه عليكم وقت هذا الجعل ، وإيقاع الذكر على الوقت مع كون المقصود ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة لأن الأمر بذكر الوقت أمر بذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني ، ولأن الوقت مشتمل على ما وقع فيه تفضيلا فإذا استحضر كان ما وقع فيه حاضرا بتفاصيله كأنه مشاهد عيانا .